الدجاجة والصقر حوار بين الحرية والعبودية
حكيم السعودي
في قفص ضيق وقفت دجاجة تنظر إلى صقر يحلق في الأعالي، اقتربت منه بخطى حذرة وقالت بنبرة يختلط فيها الحسد والاستغراب: “أيها الصقر لماذا تصر على التحليق عالياً والبقاء في قمم الجبال؟ ألا ترى أن حياتك شاقة وخطيرة؟ نحن هنا في القفص نحيا بأمان، لا نبحث عن طعامنا ولا نخشى الذئاب،ان حياتنا مضمونة والطعام يأتي إلينا.” ابتسم الصقر، ابتسامة مليئة بالثقة وقال: “أيها الطائر الأسيرألا ترين أن أجنحتك قد أصبحت زينة لا وظيفة لها؟ إنني حين أطير في السماء أشعر بمدى اتساع العالم وعلوه،و في الأعالي أكون سيد نفسي، أعيش كرامتي بكل تفاصيلها، وأحصل على قوتي بجهدي وعرقي، هذا هو معنى الحياة.” ردت الدجاجة مستهزئة: “كرامة؟ حرية؟ كلامك غريب وغير مفهوم، نحن نعيش براحة ولا نفكر في تلك الأشياء، هل ستطعمنا الكرامة أو تحمينا الحرية من الذئب؟”
ضحك الصقر بصوت مرتفع، ثم أجابها بحكمة: “إنك لا تفهمينني لأنك لم تختبري يوماً ما معنى أن تكوني حرة، أن تأكلي بقايا طعام غيرك تحت سقف القفص، وتُحبسي بحجة حمايتك هو خنوع وليس حياة. أما أنا فأعرف أن للحرية ثمناً لكنه ثمن يستحق أن يُدفع. من وُلد في القفص يظن أن الأسلاك هي الأفق ومن رضع الذل صغيراً يستمرئه كبيراً.” ساد الصمت للحظة، ثم رفع الصقر جناحيه في كبرياء وقال: “ليست الحياة في القفص حياة بل هي موت مقنع، أما نحن معشر الأحرار فنموت واقفين ونعيش بكرامة.” وحلق الصقر بعيداً، تاركاً الدجاجة تتأمل القفص الذي طالما اعتبرته ملاذاً آمناً، لكنه الآن بدا كزنزانة بلا أفق.
وقفت الدجاجة مكانها متأرجحة بين شعورين متناقضين،لقد كانت كلمات الصقر تثير في أعماقها شيئًا غامضًا، شعورًا لم تعهده من قبل،ثم نظرت إلى القفص الذي طالما وفر لها الأمان لكنه بدا فجأة ضيقًا خانقًا.و بدأت تسأل نفسها: “هل أنا أسيرة حقًا؟ هل هذا القفص الذي أعيش فيه نعمة أم لعنة؟ نعم الطعام متوفروالخطر بعيد لكن… أين الأفق؟ أين الحرية التي تحدث عنها الصقر؟”لكن سرعان ما تلاشت هذه الأسئلة عندما دخل صاحب القفص حاملاً حفنة من الحبوب،هرعت إليه مع بقية الدجاجات ملتقطة طعامها من الأرض كأنها تحاول دفن كل أفكار التمرد تحت كل حبة تلتقطها.و في تلك اللحظة ارتفعت صيحة صقر أخرى في السماء، رفعت الدجاجة رأسها ورأت سربًا من الصقور يحلق بحرية متمايلًا مع الرياح، شعرت بوخز غريب في جناحيها اللذين لم تستعملهما يومًا للطيرا ثم تساءلت بصوت خافت: “هل يمكنني الطيران؟ أم أن الزمن قد قتل فيّ القدرة على التحليق؟”لكنها سرعان ما أخمدت هذه الفكرة مبررة لنفسها:
“ليس كل طائر مخلوقًا للحرية، نحن الدجاجات خلقنا للقفص، هكذا هو العالم، الصقور تحلق ونحن نعيش هنا.” وفي مكان بعيد كان الصقر ينظر إليها من الأعالي بحزن يشوبه احتقار تمتم لنفسه: “ليس القفص هو المشكلة بل أن تعتاد عليه وتراه كل حياتك.ان العيش دون كرامة أشد إيلامًا من الموت لكن من لم يذق طعم الحرية لن يفهم أبدًا لذتها.”و عاد الصقر ليحلق بين السحب تاركًا الدجاجة خلفه غارقة في قيدها الذهني الذي كان أكثر صلابة من أسلاك قفصها.
مرت الأيام وظلت الدجاجة عالقة بين ما قاله الصقر وما اعتادت عليه طوال حياتها، كانت تراقب الصقور وهي تحلق في الأعالي، وتشعر بشيء يشبه الحنين لكنه حنين إلى شيء لم تجربه قط.و في إحدى الليالي هبت عاصفة قوية و انفتح باب القفص بفعل الرياح العاتية، ووجدت الدجاجة نفسها أمام فرصة لم تكن تخطر ببالها، نظرت حولها إلى باقي الدجاجات اللواتي اختبأن في زاوية القفص مذعورات من الحرية كما لو كانت وحشًا مفترسًا. وقفت الدجاجة أمام الباب المفتوح وجناحاها يرتجفان و قالت لنفسها: “هذه فرصتي إن لم أغتنمها الآن فقد لا أعيش لأرى مثلها مرة أخرى.” خطت خطوة إلى الخارج ثم أخرى،و كانت الرياح تضرب وجهها لكنها شعرت بشيء أشبه بالانتشاء ثم رفعت رأسها نحو السماء حيث بدت النجوم وكأنها ترحب بها. “هل أستطيع الطيران؟” تساءلت بتردد و مدت جناحيها وأخذت ترفرف مرة واثنتين لكنها سرعان ما سقطت على الأرض. شعرت بالخوف لكن صوت الصقر كان يتردد في ذهنها:
“الحرية لها ثمن.” لم تستسلم. حاولت مرة أخرى ورفرفت بجناحيها بكل ما أوتيت من قوة، فجأة شعرت بأنها ترتفع عن الأرض، كانت تطير! لم يكن الطيران سلسًا لكنها كانت في الهواء تحلق خارج القفص للمرة الأولى.
من بعيد، كان الصقر يراقبها، يبتسم بفخر. اقترب منها وقال: “أرأيتِ؟ لقد ولدتِ بجناحين وكان من حقك دائمًا أن تطيري،ان القيد الحقيقي لم يكن القفص بل الخوف الذي زرعوه فيك.” ردت الدجاجة وهي تحاول الثبات في الهواء: “لقد كنت أعيش في وهم الأمان و الآن فقط أدركت أن الحياة لا تُقاس بالراحة بل بالحرية والمعنى.” ومنذ تلك اللحظة لم تعد دجاجة عادية، لقد أصبحت رمزًا لكل من أراد أن يتحرر من قيوده، حتى لو بدا ذلك مستحيلاً، وعاشت حياتها تحلق و تعلم الآخرين أن الحرية ليست مجرد حق بل هي قرار شجاع يأخذه المرء حتى وإن كان الثمن باهظًا. لم تعد الدجاجة مجرد طائر عادي يعيش في قفص محدود الأفق، لقد كسرت قيودها الجسدية والذهنية واكتشفت حقيقة أن الحرية ليست هبة تُمنح بل اختيار يتطلب شجاعة وإصرارًا. لقد أدركت أن الحياة في القفص مهما كانت آمنة، تفتقر إلى روح المغامرة ومعنى الكرامة،ومنذ ذلك اليوم أصبحت تحلق في الأعالي رغم الصعوبات والعثرات حاملة في قلبها شعورًا جديدًا بالانتصار أما باقي الدجاجات فقد بقين في القفص ينظرن إليها بحيرة واستغراب غير قادرات على استيعاب لماذا اختارت الطيران رغم كل المخاطر لكنها لم تهتم بنظراتهن لأنها الآن تعرف كما عرف الصقر من قبلها أن الحياة ليست في أن تظل على قيد الحياة فقط بل في أن تحيا بكرامة وفي أن تتذوق طعم الحرية ولو للحظة واحدة تعادل عمراً بأكمله خلف الأسلاك.
المصدر : https://chamssalhakika.ma/?p=9770