حكيم السعودي
الحياة في جوهرها سلسلة من الأيام المتكررة تمتد بلا هوادة حيث نستيقظ كل صباح لنواجه نفس التحديات و الخيبات و الألم الذي يبدو أنه لا ينتهي. هذا التكرار الرتيب يخلق داخل الإنسان خوفًا أعمق من الموت نفسه و من الاستمرار في معايشة نفس السيناريو دون أمل في التغيير أو الخلاص. فالإنسان بطبيعته يسعى إلى المعنى، إلى أن يجد هدفًا أو غاية تجعله يشعر بأن أيامه ليست مجرد نسخ متطابقة من بعضها البعض. في مواجهة هذا الرعب الوجودي تنشأ رغبة ملحّة في شيء يكسر هذه الدائرة المغلقة. قد تكون هذه الرغبة في التغيير و المغامرة و الحب و النجاح أو حتى في الخلاص الروحي. إنها الحاجة إلى شيء يمنح للحياة معنًى وسط دوامة التكرار. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ” (الرعد: 11). وهذه الآية تؤكد أن الخروج من هذا الركود النفسي والمعيشي يبدأ من الداخل، من تغيير الذات قبل انتظار تغيير العالم من حولنا.لكن ماذا لو كان الإنسان عاجزًا عن إحداث هذا التغيير؟ ماذا لو كان محاصرًا بظروف لا يستطيع الهروب منها؟ في هذه الحالة يصبح الألم مزدوجًا: ألم الرتابة و العجز عن كسرها وهنا تتجلى أعظم التحديات حيث يجد الإنسان نفسه أمام خيارين: إما الاستسلام لهذا الواقع والقبول به كقدر محتوم أو البحث عن معنى داخل هذا التكرار ذاته. فكما يقول الفيلسوف الألماني نيتشه: “من يمتلك سببًا للحياة يستطيع تحمل أي كيف”.هذا المعنى قد يكون في الإيمان َو حب الآخرين و في العمل أو حتى في الصبر الذي أمرنا به الله تعالى في قوله: “وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ” (هود: 115). فالصبر ليس استسلامًا بل هو قوة داخلية تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار رغم الألم، وهو في ذاته نوع من المقاومة ضد الرتابة واليأس. وعلى الرغم من أن الخوف من الحياة قد يكون أكثر إيلامًا من الخوف من الموت إلا أن الوعي بهذا الخوف هو الخطوة الأولى لمواجهته. إن إدراك أن الحياة ليست مجرد انتظار لنهايتها وإنما ساحة لاكتشاف الذات وصنع المعنى هو ما يجعلها تستحق العيش. ربما لا يمكننا الهروب من التكرار ولكن يمكننا أن نصنع داخله لحظات ذات قيمة، أن نجد الفرح في التفاصيل الصغيرة وأن نجعل حتى المعاناة وسيلة للنمو والتطور.
ليست الحياة مجرد أيام تمضي بل هي رحلة مليئة بالتحديات بالبحث وبالرغبة الدائمة في تجاوز الخوف نحو معنى أعمق وأصدق.لكن هل يكفي البحث عن المعنى وحده لكسر هذه الرتابة؟ أم أن الإنسان يحتاج إلى أكثر من مجرد وعيه بالمشكلة ليتمكن من تجاوزها؟ الواقع أن إدراك المشكلة هو البداية فقط لكنه لا يكفي وحده لتغيير المسار. كثير من الناس يعون مدى تكرارية حياتهم ومدى رتابتها ومع ذلك يعجزون عن فعل أي شيء للخروج من هذه الدائرة. هنا يتدخل عامل آخر أكثر أهمية: الإرادة التي تعتبر هي القوة التي تدفع الإنسان إلى الفعل، إلى اتخاذ خطوة نحو التغيير حتى وإن كانت خطوة صغيرة. يقول الله تعالى: “وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ” (النجم: 39)، مما يؤكد أن السعي والعمل هما المفتاح الحقيقي لكسر أي دائرة مغلقة. لكن المشكلة أن هذه الإرادة لا تأتي من فراغ بل تحتاج إلى دافع، إلى أمل، إلى رؤية واضحة لما يمكن أن يكون عليه المستقبل إن نحن تجرأنا على التغيير.وهنا تكمن المفارقة العجيبة: فالرعب الحقيقي ليس فقط في مواجهة الحياة الرتيبة بل أيضًا في الخوف من التغيير نفسه. كم من شخص يدرك تمامًا أن وضعه الحالي مؤلم لكنه يخشى المجازفة و أن يكون التغيير أسوأ من الواقع الذي يعيشه؟ وهذا ما يجعل الكثيرين يختارون البقاء في معاناتهم بدلًا من خوض تجربة جديدة غير مضمونة النتائج. لكن أليس هذا هو جوهر الإيمان؟ أن نؤمن بأن الله قد كتب لنا الخير وأن ما نظنه مخيفًا قد يكون بابًا لفرص جديدة لم نكن نتصورها؟ يقول الله تعالى: “وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ” (البقرة: 216)، وهي آية تحمل في طياتها درسًا عظيمًا حول الثقة في حكمة الله وحول ضرورة الخروج من منطقة الراحة حتى وإن كان ذلك يعني خوض المجهول.لكن كيف للإنسان أن يجد هذا الدافع؟ ربما يكون الحل في إعادة النظر إلى الحياة من زاوية مختلفة. بدلاً من اعتبار التكرار لعنة يمكن للإنسان أن يجعله فرصة لصقل نفسه لاختبار صبره لتنمية مهاراته ولإدراك أن التغيير لا يكون دائمًا خارجيًا بل قد يكون في طريقة تعاملنا مع الأشياء ذاتها. فربما لن تتغير الظروف الخارجية سريعًا لكن يمكننا أن نغير نظرتنا إليها و أن نجد السعادة في أشياء بسيطة لم نكن ننتبه لها من قبل.
الحياة ليست مثالية ولن تكون أبدًا خالية من الألم والخيبات. لكن بين الألم والمتعة، بين السعادة والحزن، بين النجاح والفشل توجد مساحات يمكن أن يصنع الإنسان فيها معنى خاصًا به، معنى يحرره من الرعب الحقيقي: رعب العيش بلا غاية.لكن كيف نصل إلى هذا المعنى؟ وكيف نحول التكرار إلى فرصة بدلًا من كونه سجنًا نفسيًا يحاصرنا؟
قد يكون الجواب في استحضار القيم التي تمنح الحياة معنى حقيقيًا مثل الصبر والإحسان واليقين والسعي المستمر نحو الأفضل. فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان ليكون أسيرًا للخوف بل ليكون خليفة في الأرض، يتحدى نفسه ويبحث عن الحكمة في كل ما يمر به. يقول الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ” (الرعد: 11)، وهذا تأكيد على أن التغيير يبدأ من الداخل، وليس من الخارج. ربما يكمن الحل أيضًا في فهم أن الحياة ليست خطًا مستقيمًا بل هي مليئة بالتقلبات وكل مرحلة تحمل في طياتها درسًا جديدًا. أحيانًا يكون الألم هو المحفز للنمو وأحيانًا تكون الخيبة هي الدافع للبحث عن أفق جديد، وأحيانًا يكون الروتين نفسه فرصة للتركيز على الذات، على البناء الداخلي، على التقرب من الله والتأمل في حكمته.يقول الفيلسوف الألماني نيتشه: “من لديه سبب للحياة يمكنه تحمل أي كيف.” وهذا يعني أن الإنسان حين يجد المعنى الحقيقي فإنه يصبح قادرًا على احتمال الصعوبات بل وحتى على تحويلها إلى نقاط قوة فربما يكون التحدي الأكبر هو أن نبحث عن ذلك المعنى وسط كل هذا الضجيج، وسط الألم، وسط التكرار، وسط الخيبات.لعل السؤال الأهم ليس: كيف نهرب من الخوف من الحياة؟ بل: كيف نتعلم أن نعيشها بكل ما فيها دون أن نفقد أنفسنا؟ كيف نتعامل مع تكرار الأيام دون أن نفقد شغفنا؟ كيف نحول الألم إلى حكمة والخيبة إلى تجربة والخوف إلى دافع؟
ربما يكون الجواب في الإيمان بأن كل شيء له مغزى حتى وإن لم ندركه الآن وأنه لا شيء يستمر إلى الأبد، لا الفرح ولا الحزن، لا النجاح ولا الفشل، لا البدايات ولا النهايات. وأن أجمل ما في الحياة هو أنها متجددة دائمًا وأن الفرصة تظل قائمة لكل من يبحث عنها، لكل من يرفض أن يكون مجرد متفرج على حياته، ولكل من يؤمن بأن كل لحظة حتى وإن كانت مؤلمة تحمل في طياتها بذرة التغيير… لمن أراد أن يراها.
ليس الرعب الحقيقي في الحياة هو تكرار الأيام بل أن نعيشها دون أن نترك فيها أثرًا دون أن نجد لها معنى، دون أن نكتشف فيها ما يجعلها تستحق أن تُعاش. قد تكون الحياة مليئة بالخوف، بالألم، بالخيبات لكنها أيضًا مليئة بالفرص، بالمفاجآت وبالأمل الذي يتجدد مع كل إشراقة صباح.الإنسان ليس محكومًا بسجن الروتين بل هو قادر على كسره متى شاء، قادر على إعادة تشكيل حياته وفق رؤيته، قادر على تحويل الألم إلى قوة والخيبة إلى درس. وكما يقول الله تعالى: “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا” (الشرح: 6)، فإن وراء كل لحظة صعبة هناك طريق للخروج، هناك أفق أوسع، هناك معنى ينتظر من يكتشفه.لذلك ربما لا ينبغي أن نخاف من الحياة بل أن نخاف من أن نضيعها ونحن نبحث عن مهرب منها.
المصدر : https://chamssalhakika.ma/?p=10044