بقلم حكيم السعودي
يُعَدُّ موسم رگراگة أو رجراجة أحد التقاليد العريقة التي ترسّخت في الذاكرة الجماعية للمغاربة وهو أكثر من مجرد احتفال ديني أو طقس صوفي؛ بل هو ظاهرة اجتماعية وروحية متجذرة في التاريخ تعكس التفاعل العميق بين التصوف والمجتمع بين المقدس واليومي، بين التاريخي والأسطوري. يحيي هذا الموسم مسيرة سبعة رجال صالحين يُقال إنهم كانوا من أوائل من أدخلوا الإسلام إلى المغرب بعد الفتح الإسلامي وكرّسوا حياتهم لنشر الدين وتعاليمه في المناطق التي كانت آنذاك معزولة عن مراكز النفوذ الإسلامي.على امتداد أسابيع تجوب قافلة رجراجة مختلف المناطق متنقلة من زاوية إلى أخرى حيث تتجسد في هذه المسيرة صورة قوية للحركة الصوفية في المغرب، يجتمع المريدون حول شيوخهم يرددون الأذكار ويتلون الأدعية في مشهد يعكس ارتباط التصوف المغربي بالتربية الروحية والجماعية، لا تقتصر هذه التظاهرة على الجانب الديني فحسب إنما تمتد لتشمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية وثقافية مما يجعل منها حدثًا مركزيًا في حياة العديد من القرى والمداشر التي تمر بها القافلة.
يتميز هذا الموسم بطقوس فريدة تحمل في طياتها دلالات عميقة تعبر عن امتداد الروحانية إلى تفاصيل الحياة اليومية، تُقام حلقات الذكر والإنشاد الصوفي حيث تتداخل أصوات المدّاحين مع أصوات المريدين في أجواء تفيض بالإيمان والخشوع، تُذبح الذبائح وتُوزّع الصدقات في طقس يرمز إلى الكرم والتضامن الاجتماعي و تبرز الفروسية والتبوريدة كجزء من الاحتفال حيث يستعرض الفرسان مهاراتهم في ساحات واسعة، في مشهد يجمع بين الجمالية والقوة ويعكس اعتزاز المغاربة بتراثهم العريق.لكن رغم قدم هذه العادات واستمراريتها يطرح موسم رگراگة إشكالات تتعلق بمدى قدرة هذه الطقوس على التكيّف مع تحولات المجتمع الحديث. ففي عصر العولمة والتكنولوجيا حيث تتغير أنماط الحياة بسرعة يجد هذا الموسم نفسه في مواجهة تحديات كبيرة تتعلق بمكانته في المشهد الديني والاجتماعي ومدى قدرته على استقطاب الشباب الذين باتت اهتماماتهم تتجه نحو أنماط ثقافية أخرى.إضافة إلى ذلك يثير الموسم جدلًا بين من يعتبرونه إرثًا صوفيًا عميقًا يجب الحفاظ عليه وتطويره وبين من يراه تقليدًا شعبيًا يتداخل فيه الديني بالخرافي ويحتاج إلى مراجعة في ظل التوجهات المعاصرة نحو تنقية الممارسات الدينية من بعض الطقوس التي قد تثير التساؤلات. هذا النقاش يعكس التوتر المستمر بين الحداثة والتقاليد وبين الحفاظ على الهوية والانفتاح على المتغيرات العالمية.لكن مهما كانت الآراء يبقى لموسم رگراگة مكانة خاصة في الوجدان المغربي، فهو ليس مجرد احتفال، انه انعكاس لروح الجماعة حيث يلتقي الناس، يتبادلون التجارب، يتقاسمون الطعام والفرح ويعيشون لحظات من الصفاء الروحي الذي قد يكون نادرًا في إيقاع الحياة اليومية السريع، إنه مناسبة لاستعادة قيم التضامن والتواصل الإنساني التي قد تكون أكثر ما يحتاجه العالم اليوم في ظل التفكك الاجتماعي والتباعد العاطفي الذي فرضته أنماط الحياة الحديثة.من هذا المنظور يمكن اعتبار موسم رجراجة ليس فقط إرثًا دينيًا بل أيضًا نموذجًا للحوار بين الأجيال حيث يلتقي الماضي بالحاضر والتقليد بالمعاصرة في محاولة لإبقاء جذوة الروح المغربية مشتعلة في عالم يسير بسرعة نحو فقدان ذاكرته الجماعية.
في ظل التغيرات التي يشهدها المجتمع المغربي يطرح السؤال حول مستقبل موسم رگراگة ودوره في الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية. فالتقاليد التي تستمر عبر الزمن تحتاج إلى أن تجد لنفسها مبررات جديدة للبقاء وإلا فإنها تصبح مجرد طقوس شكلية تفتقر إلى الروح التي كانت تمنحها معنى وتأثيرًا. من هذا المنطلق يتطلب الحفاظ على الموسم مقاربة جديدة تجمع بين الوفاء للأصول والانفتاح على التحولات بحيث يتمكن من الاستمرار كحدث ديني واجتماعي دون أن يفقد جوهره أو يتحول إلى مجرد مهرجان سياحي فاقد للروح.لا يمكن الحديث عن موسم رجراجة دون التطرق إلى دوره الاقتصادي إذ يشكل فرصة لانتعاش النشاط التجاري في القرى والمناطق التي تمر بها القافلة، يتدفق الزوار من مختلف أنحاء البلاد مما يعزز حركة الأسواق ويخلق فرص عمل موسمية سواء من خلال بيع المنتجات التقليدية أو تقديم الخدمات المختلفة للحجاج والمريدين، ومع ذلك،ك فإن غياب رؤية تنموية متكاملة قد يجعل هذه الاستفادة محدودة وغير مستدامة مما يستدعي التفكير في استراتيجيات تضمن استفادة المجتمعات المحلية من الموسم على المدى الطويل من خلال دعم الحرف التقليدية وتطوير البنية التحتية السياحية بشكل يحترم الطابع الروحي والثقافي للموسم.من ناحية أخرى يواجه الموسم تحديًا يتمثل في الحفاظ على طابعه الروحاني في مواجهة النزعة الاستهلاكية التي أصبحت تهيمن على العديد من المناسبات الدينية. فهناك مخاوف من أن يتحول إلى مناسبة تجارية أكثر من كونه لقاءً صوفيًا خاصة مع تنامي الاهتمام الإعلامي والسياحي به، هذه الإشكالية تفرض على القائمين على الموسم البحث عن توازن دقيق بين الروحانية ومتطلبات العصر بحيث لا يفقد الموسم روحه تحت ضغط العولمة ونمط الاستهلاك السريع.
في هذا السياق يمكن أن يلعب الشباب دورًا محوريًا في إعادة إحياء الموسم بروح جديدة تتناسب مع متطلبات العصر دون التخلي عن القيم الأساسية التي يمثلها، من خلال إدماج وسائل التواصل الحديثة،ك يمكن تعزيز حضور الموسم في الفضاء الرقمي وجعله منصة للحوار حول التصوف وأبعاده الروحية والاجتماعية كما يمكن الاستفادة من الموسم في نشر قيم التسامح والانفتاح التي تشكل جوهر التصوف المغربي في وقت يحتاج فيه العالم إلى بدائل روحية تعيد التوازن إلى الحياة الإنسانية.يبقى موسم رگراگة رغم كل التحديات أحد أهم الموروثات الثقافية والدينية في المغرب، إنه شهادة حية على قدرة المجتمع المغربي على الحفاظ على هويته في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، وبين من يراه جزءًا من التاريخ ومن يعتبره عنصرًا فاعلًا في الحاضر والمستقبل، ويبقى السؤال مطروحًا حول كيف يمكن لهذا الموسم أن يستمر في أداء دوره الروحي والاجتماعي دون أن يتحول إلى مجرد ذكرى في أرشيف الثقافة الشعبية المغربية.
إن موسم رگراگة ليس مجرد طقس احتفالي عابر بل هو تراث ثقافي وروحي متجذر في الهوية المغربية يجمع بين التصوف الشعبي والارتباط بالأرض والتاريخ.ك غير أن استمراريته في العصر الحديث تتطلب إعادة النظر في كيفية إدارته بحيث يظل محافظًا على قيمه الروحانية دون أن يذوب في طوفان الاستهلاك والعولمة.إن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن بين الوفاء للتقاليد والانفتاح على التحولات، بين الحفاظ على جوهر الموسم والاستفادة منه اقتصاديًا واجتماعيًا بشكل مستدام، فبدلًا من أن يكون مجرد مناسبة سنوية تقام وتنسى يمكن استثماره كرافعة ثقافية وتنموية تساهم في دعم الهوية المغربية وترسيخ قيم التصوف المعتدل بعيدًا عن التشويه أو الاستغلال.ومع انخراط الشباب في إعادة إحياء هذا الموروث بطرق مبتكرة يمكن لموسم رگراگة أن يصبح نموذجًا يُحتذى به في كيفية صون التراث الشعبي مع إعطائه أبعادًا جديدة تتناسب مع روح العصر. و يبقى السؤال مفتوحًا هل سيكون المستقبل امتدادًا حقيقيًا لهذا التراث أم أن تحولات المجتمع ستجعل منه مجرد ذكرى عابرة في أرشيف التاريخ المغربي؟
المصدر : https://chamssalhakika.ma/?p=10027